الشيخ محمد هادي معرفة
542
التفسير الأثرى الجامع
كان كنت عليه ؟ فقد تركته إلى باطل ، فإنّما يخالف الحقّ الباطل ؟ ! أو باطلا كان ذلك ، فقد كنت عليه طول هذه المدّة ! فما يؤمّننا أن تكون الآن على باطل ؟ ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : بل ذلك كان حقّا وهذا حقّ ، يقول اللّه : قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ « 1 » إذا عرف صلاحكم يا أيّها العباد في استقبال المشرق ، أمركم به ، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب ، أمركم به ، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به ، فلا تنكروا تدبير اللّه في عباده ، وقصده إلى مصالحكم . ثمّ قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - مخاطبا لليهود - : قد تركتم العمل يوم السبت ، ثمّ عملتم بعده سائر الأيّام ، ثمّ تركتموه في السبت ثمّ عملتم بعده ، أفتركتم الحقّ إلى باطل أو الباطل إلى حقّ ؟ أو الباطل إلى باطل ؟ أو الحقّ إلى حقّ ؟ قولوا كيف شئتم ، فهو قول محمّد وجوابه لكم . قالوا : بل ترك العمل في السبت حقّ ، والعمل بعده حقّ ! فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقته حقّ ، ثمّ قبلة الكعبة في وقته حقّ . ثمّ قالوا : يا محمّد ، أفبدا لربّك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس ، حين نقلك إلى الكعبة ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ما بدا له عن ذلك ، فإنّه العالم بالعواقب ، والقادر على المصالح ، لا يستدرك على نفسه غلطا ، ولا يستحدث رأيا يخالف المتقدم ، جلّ عن ذلك ، ولا يقع أيضا عليه مانع يمنعه عن مراده ، وليس يبدو إلّا لمن كان هذا وصفه ، وهو - عزّ وجلّ - متعال عن هذه الصفات علوّا كبيرا . ثمّ قال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أيّها اليهود ، أخبروني عن اللّه ، أليس يمرض ثمّ يصحّ ؟ ويصحّ ثمّ يمرض ؟ أبدا له في ذلك ؟ أليس يحيي ويميت ؟ أليس يأتي بالليل في أثر النهار ثمّ بالنهار في أثر الليل ؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال : فكذلك اللّه تعبّد نبيّه محمّدا ، بالصلاة إلى الكعبة ، بعد أن تعبّده بالصلاة إلى بيت المقدس ، وما بدا له في الأوّل . ثمّ قال : أليس اللّه يأتي بالشتاء في أثر الصيف ؟ والصيف في أثر الشتاء ؟ أبدا له في كلّ واحد من ذلك ؟ قالوا : لا ، قال : فكذلك لم يبد له في القبلة . ثمّ قال : أليس قد ألزمكم في الشتاء أن تحترزوا من البرد بالثياب الغليظة ؟ وألزمكم في الصيف أن تحترزوا من الحرّ ؟ فبدا له في الصيف حتّى أمركم
--> ( 1 ) البقرة 2 : 142 .